سُلْحُوفَة وَأَرْنُوب 07 اللَّبيبُ بِالإِشارَةِ يَفْهَمُ

 سُلْحُوفَة وَأَرْنُوب 07 اللَّبيبُ بِالإِشارَةِ يَفْهَمُ

سُلْحُوفَة وَأَرْنُوب 07 اللَّبيبُ بِالإِشارَةِ يَفْهَمُ

اِقْتَرَبَ فَصْلُ الشِّتاءِ بِبَرْدِهِ القارِسِ وَرِياحِهِ العاصِفَةِ، فَأَخَذَتْ كُلُّ الكائِناتِ الحَيَّةِ تَبْحَثُ عَنْ دِفْءٍ وَتُرَتِّبُ أُمورَها لِتَتَّقِيَ المَطَرَ وَالثُّلُوجَ. في تِلْكَ الأَثْناءِ، كانَ الأَرْنَبُ الذَّكِيُّ "أَرْنُوبُ" يَعْمَلُ بِجِدٍّ وَإِخْلاصٍ، فَرَاحَ يَحْفُرُ الأَرْضَ بِقَدَمَيْهِ الأَمامِيَّتَيْنِ بِقُوَّةٍ وَحَماسَةٍ كَبيرَةٍ. أَقْبَلَتْ صَديقَتُهُ السُّلَحْفاةُ "سُلْحُوفَةُ" نَحْوَهُ، فَوَجَدَتْهُ مَشْغولاً لِلْغايَةِ يُؤَدِّي عَمَلَهُ بِهِمَّةٍ، حَتَّى إِنَّ التُّرابَ تَطايَرَ لِيُغَطِّيَ فِراءَهُ النّاعِمَ، وَتَساقَطَ العَرَقُ مِنْ جَبينِهِ وَسَالَ عَلى وَجْنَتَيْهِ. أَلْقَتْ عَلَيْهِ التَّحِيَّةَ بِرِفْقٍ وَسَأَلَتْهُ: "ماذا تَفْعَلُ يا أَرْنُوبُ؟". أَجابَها دُونَ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنِ الحَفْرِ: "أَحْفُرُ بَيْتاً لِي يا سُلْحُوفَةُ". تَعَجَّبَتِ الصَّديقَةُ وَقالَتْ: "البُيُوتُ تُبْنى يا صَديقي"، فَرَدَّ عَلَيْها أَرْنُوبُ: "بَيْتي جُحْرٌ عَميقٌ.. ماذا عَنْ بَيْتِكِ أَنْتِ؟". ابْتَسَمَتْ سُلْحُوفَةُ وَقالَتْ بِيَقينٍ: "أَنا أَحْمِلُ بَيْتي مَعي أَيْنَما ذَهَبْتُ، إِنَّهُ هَذِهِ الصَّدَفَةُ القَوِيَّةُ الَّتي تَحْمي ظَهْري".

نَصَحَها أَرْنُوبُ قائِلاً: "يَجِبُ أَنْ تَحْتاطي لِلشِّتاءِ، وَيَكُونَ لَكِ كَوْنٌ دافِئٌ"، ثُمَّ اقْتَرَحَ عَلَيْها فِكْرَةً مُثيرةً: "أُفَكِّرُ في الذَّهابِ إِلى المَدينَةِ، هَلْ تَأْتينَ مَعي؟". فَكَّرَتْ سُلْحُوفَةُ قَليلاً ثُمَّ قالَتْ: "مُمْكِنٌ بَعْدَ أَنْ يَكونَ لِكُلٍّ مِنّا بَيْتُهُ.. لِيَكُنْ سَفَرُنا في الأُسْبوعِ القادِمِ". بَعْدَ أَنْ أَنْهى أَرْنُوبُ حَفْرَ جُحْرِهِ العَميقِ، وَفي الناحِيَةِ المُقابِلَةِ كانَ هُناكَ كَوْنُ سُلْحُوفَةَ، وَبَيْنَهُما ساحَةٌ واسِعَةٌ. وَعِنْدَما جاءَتْ سُلْحُوفَةُ لِتَزُورَهُ، وَجَدَتْهُ قَدْ عَلَّقَ عَلى الشَّجَرَةِ لَوْحاتٍ غَريبَةً تَحْمِلُ رُسوماتٍ مُلَوَّنَةً. سَأَلَتْهُ بِفُضولٍ: "أَيُّ شَيْءٍ هَذَا يا أَرْنُوبُ؟". أَجابَها بِمَعْرِفَةٍ: "هَذِهِ عَلاماتُ المُرورِ، لا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِها جَيِّداً قَبْلَ الذَّهابِ إِلى المَدينَةِ".

تَساءَلَتِ السُّلَحْفاةُ بِدَهْشَةٍ: "هَلْ هَذَا مُهِمٌّ؟" ، فَرَدَّ أَرْنُوبُ مُسْتَنْكِراً سُؤالَها: "لا بُدَّ مِنْهُ لِكَيْ نَنْجُوَ بِحَياتِنا! إِذا كُنْتِ تُريدينَ السَّيْرَ في شَوارِعِ المَدينَةِ المُرْتَبِكَةِ، فَمِنَ الضَّرورِيِّ جِدّاً تَعَلُّمُ مَعاني هَذِهِ الإِشاراتِ". حينَها رَجَتْهُ سُلْحُوفَةُ قائِلَةً: "عَلِّمْني إِيّاها يا أَرْنُوبُ.. أَرْجُوكَ". بَدَأَ أَرْنُوبُ يُشيرُ إِلى عَلاماتِ المُرورِ واحِدَةً تِلْوَ الأُخْرى، فَيَشْرَحُ دَلالاتِها وَكَيْفِيَّةَ التَّصَرُّفِ عِنْدَ رُؤْيَتِها. وَبَعْدَ الشَّرْحِ المُفَصَّلِ، قالَ لَها بِحَزْمٍ: "سَأَخْتَبِرُكِ فيها كُلِّها، وَلَنْ نُسافِرَ إِلّا إِذا نَجَحْتِ في هَذَا الِاخْتِبارِ بِامْتِيازٍ".

انْطَلَقَ الصَّديقانِ بَعْدَ ذَلِكَ في طَريقِهِما الطَّويلِ نَحْوَ المَدينَةِ. وَفي أَثْناءِ السَّيْرِ، لَمَحا حادِثَ سَيّارَةٍ مُفْجِعاً حَيْثُ صَدَمَتْ مَرْكَبَةٌ حِماراً مِسْكيناً كانَ يَعْبُرُ الطَّريقَ. نَزَلَ سائِقُ السَّيّارَةِ مُرْتَبِكاً لِيَقُولَ لِلْمُصابِ: "آسِفٌ يا حِمارُ". لَكِنَّ أَرْنُوبَ لَمْ يَتَمَلَّكْ نَفْسَهُ وَصَرَخَ فيهِ بِغَضَبٍ شَديدٍ: "لا يُقْبَلُ اعْتِذارُكَ أَبَداً!". سَأَلَ السائِقُ: "لِماذا؟"، فَأَجابَهُ أَرْنُوبُ بِمَرارَةٍ: "لأَنَّكَ قَتَلْتَهُ بِإِهْمالِكَ".

تابَعَ أَرْنُوبُ وَسُلْحُوفَةُ مَسيرَهُما حَتَّى دَخَلا المَدينَةَ، وَسارا عَلى الرَّصيفِ بِبُطْءٍ وَهُما يَتَبادَلانِ الحَديثَ. سَأَلَتْهُ سُلْحُوفَةُ: "كَمْ سُرْعَتُكَ في الجَرْيِ يا أَرْنُوبُ؟"، فَرَدَّ مُفْتَخِراً: "ثَلاثُونَ كيلومِتراً في الساعَةِ، وَماذا عَنْكِ؟". قالَتْ سُلْحُوفَةُ بِتَواضُعٍ: "بِضْعَةُ أَمْتارٍ فَقَطْ في الساعَةِ، لَكِنْ هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ أُخْتي السُّلَحْفاةَ المائِيَّةَ تَسْبَحُ في الماءِ بِنَفْسِ سُرْعَتِكَ؟ ثَلاثُونَ كيلومِتراً في الساعَةِ!". انْدَهَشَ أَرْنُوبُ وَقالَ: "غَريبٌ.. لَمْ أَكُنْ أَتَصَوَّرُ هَذَا أَبَداً يا سُلْحُوفَةُ". عِنْدَما وَصَلا إِلى وَسَطِ المَدينَةِ، تَوَقَّفَ أَرْنُوبُ عِنْدَ مَتْجَرٍ جَميلٍ لِلزُّهورِ. سَأَلَتْهُ سُلْحُوفَةُ: "ماذا تُريدُ مِنْ هَذَا المَتْجَرِ؟"، فَأَجابَها بِرِقَّةٍ: "سَأَشْتَري زُهوراً، لأَنَّنا لا بُدَّ أَنْ نَزُورَ مُسْتَشْفىً يَرْقُدُ فيهِ كَثيرُونَ مِمَّنْ أُحِبُّهُمْ وَأَحْزَنُ لِأَجْلِهِمْ".

كانَ الشارِعُ مُزْدَحِماً لِلْغايَةِ، وَكانَتْ أَصْواتُ آلاتِ التَّنْبِيهِ صاخِبَةً تَمْلأُ الآذانَ. شَعَرَتْ سُلْحُوفَةُ بِالقَلَقِ وَقالَتْ: "هَيّا نَعودُ.. المَدينَةُ تَتْرُكُ مَكانَها.. إِلى أَيْنَ نَحْنُ ذاهِبونَ؟". طَمْأَنَها أَرْنُوبُ قائِلاً: "لا تَقْلَقي يا صَديقَتي، هَذَا هُوَ الضَّجيجُ المُعْتادُ في هَذَا المَكانِ". دَخَلا المُسْتَشْفى، وَوَجَدا صالَةً كَبيرَةً لِلْمَرْضى يَنامُ فيها عَشَراتُ المُصابينَ في حَوادِثِ السَّيّاراتِ. أَخَذَ أَرْنُوبُ يَمْضي بَيْنَهُمْ حامِلاً باقَةَ الزُّهورِ، وَيَسْأَلُهُمْ بِرِفْقٍ: "ماذا أَصابَكُمْ؟". كانتِ الإِجاباتُ حَزينَةً؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قالَ: "السُّرْعَةُ الجُنُونِيَّةُ في القِيادَةِ"، وَآخَرُ قالَ: "لَمْ أَكُنْ في كامِلِ وَعْيي"، بَيْنَما قالَ ثالِثٌ: "أَفْلَتَتْ مِنِّي عَجَلَةُ القِيادَةِ". هَمَسَتْ سُلْحُوفَةُ في حُزْنٍ: "أَلْفُ أَلْفِ سَلامَةٍ لَكُمْ جَميعاً".

في طَريقِ العَوْدَةِ إِلى جُحْرِهِما وَكَوْنِهِما الهادِئِ، سَأَلَتِ السُّلَحْفاةُ أَرْنُوباً: "هَلْ كُلُّ مَدينَةٍ مَجْنُونَةٌ بِهَذَا الشَّكْلِ؟". أَجابَها أَرْنُوبُ بِتَأَسُّفٍ: "أَظُنُّ ذَلِكَ يا سُلْحُوفَةُ". وَبَعْدَ وُصولِهِما، قالَ أَرْنُوبُ بِتَعَبٍ: "أُذُني تُؤْلِمُني كَثيراً مِنْ أَصْواتِ آلاتِ التَّنْبِيهِ المُزْعِجَةِ"، فَرَدَّتْ عَلَيْهِ سُلْحُوفَةُ وَهيَ تُغْلِقُ عَيْنَيْها لِتَرْتاحَ: "أَمّا أَنا، فَكُلُّ بَدَني يُوجِعُني مِنْ هَذِهِ الرِّحْلَةِ يا أَرْنُوبُ!"

سلحوفة وأرنوب

إرسال تعليق

أحدث أقدم