سُلْحُوفَةَ وأَرْنُوبَ 02 النِّظامُ والزِّحامُ

 سُلْحُوفَةَ وأَرْنُوبَ 02 النِّظامُ والزِّحامُ

سُلْحُوفَةَ وأَرْنُوبَ 02 النِّظامُ والزِّحامُ


أَعْلَنَ مَلِكُ الغابَةِ عَنْ اجْتِماعٍ كَبِيرٍ يَرْأَسُهُ بِنَفْسِهِ وتَحْضُرُهُ كُلُّ الحَيَواناتِ دُونَ اسْتِثْناءٍ، وأَمَرَ الطُّيُورَ جَمِيعاً بِإِبْلاغِ السُّكّانِ بِهَذا الأَمْرِ الهامِّ. غادَرَتِ الطُّيُورُ بُيُوتَها لِتَنْشُرَ الخَبَرَ فِي كُلِّ مَكانٍ؛ فَهَذا الطّاوُوسُ قَدْ نَشَرَ ذَيْلَهُ بِأَلْوانِهِ الجَمِيلَةِ الزّاهِيَةِ، وهَذا الهُدْهُدُ يُحَلِّقُ عالِياً يَنْقُلُ النَّبَأَ، بَيْنَما هَدَلَتِ الحَمامَةُ، وصَوْصَوَتِ العَصافِيرُ، وغَرَّدَ الكَرَوانُ، ونَعَقَتِ البُومُ، وبَغْبَغَ البَبَّغاءُ لِيَعْلَمَ الجَمِيعُ مَكانَ ساحَةِ الِاجْتِماعِ ومَوْعِدَهُ المُحَدَّدَ. وكانَ الجَمِيعُ يَعْلَمُ أَنَّ لَدَى صاحِبِ الجَلالَةِ أَمْراً خَطِيراً يُرِيدُ أَنْ يَقُولَهُ، أَوْ مَوْضُوعاً يَرْغَبُ فِي أَنْ يَسْتَشِيرَ فِيهِ الرَّعايا.

لَمْ يَسْمَعْ أَرْنُوبُ بِالأَمْرِ فِي البِدايَةِ لأَنَّهُ كانَ غارِقاً فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ داخِلَ جُحْرِهِ الدّافِئِ، بَيْنَما عَلِمَتْ صَدِيقَتُهُ سُلْحُوفَةُ السُّلحُفاةُ بِالخَبَرِ، فَقَرَّرَتْ أَنْ تَذْهَبَ إِلَيْهِ فَوْراً لِيَشْهَدا الِاجْتِماعَ مَعاً. أَيْقَظَتْ سُلْحُوفَةُ صَدِيقَها أَرْنُوبَ مِن نَوْمِهِ، وانْطَلَقا فِي الطَّرِيقِ دُونَ تَأْخِيرٍ، وحَتَّى لا يُضَيِّعا الوَقْتَ، تَناوَلا طَعامَهُما أَثْناءَ مَشْيِهِما. كانَتْ سُلْحُوفَةُ تُحاوِلُ أَنْ تُسْرِعَ قَدْرَ إِمْكانِها، بَيْنَما كانَ أَرْنُوبُ الأَرْنَبُ يَبْذُلُ جُهْداً كَبِيراً لِكَيْ يُبْطِئَ مِنْ خُطُواتِهِ السَّرِيعَةِ حَتَّى لا يَسْبِقَها بِمَسافاتٍ طَوِيلَةٍ. وفِي الطَّرِيقِ سَأَلَها أَرْنُوبُ بِفُضُولٍ: "ماذا يُرِيدُ مَلِكُ الغابَةِ مِنْ هَذا الِاجْتِماعِ؟"، فَأَجابَتْ سُلْحُوفَةُ بِحِكْمَةٍ: "لا أَدْرِي يا صَدِيقِي، ولَكِنَّ الخَبَرَ اليَقِينَ سَنَعْرِفُهُ عِنْدَما نَصِلُ".

عِنْدَما وَصَلا، وَجَدا السَّاحَةَ قَدِ امْتَلأَتْ بِالحَيَواناتِ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ ولَوْنٍ، وجاءَ المَلِكُ الأَسَدُ يَلْبَسُ تاجاً ذَهَبِيّاً بَرّاقاً وجَلَسَ عَلى عَرْشِهِ بِهَيْبَةٍ ووقارٍ. اسْتَقْبَلَهُ الجَمِيعُ بِحَفاوَةٍ بالِغَةٍ وتَصْفِيقٍ حارٍّ، وبَعْدَ أَنْ قَدَّمَ لَهُمُ التَّحِيَّةَ، نَظَرَ إِلَيْهِمْ وقالَ: "أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ مِنْكُمْ لِماذا يَعِيشُ البَشَرُ حَياةً أَفْضَلَ وأَكْثَرَ تَنْظِيماً مِنْ حَياتِنا؟". سادَ هُدُوءٌ تامٌّ فِي المَكانِ، وبَدَأَ الكُلُّ يُفَكِّرُ بَعُمْقٍ ويَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ.. ومَرَّتْ لَحَظاتٌ صامِتَةٌ، وإِذا بِصَوْتٍ رَزِينٍ يَرْتَفِعُ مِنْ بَعِيدٍ، وكانَ صَوْتَ البُومِ الحَكِيمِ الواقِفِ عَلى غُصْنِ شَجَرَةٍ عالِيَةٍ، حَيْثُ قالَ: "أَرَى أَنَّ ذَلِكَ لأَنَّهُمْ أَلْغَوْا قانونَ الغابِ الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلى القُوَّةِ فَقَطْ".

هَزَّتِ السُّلحُفاةُ سُلْحُوفَةُ رَأْسَها مُوافِقَةً، وهَتَفَتْ بِحَماسٍ: "أَحْسَنْتَ يا حَكِيمَ الغابَةِ! وذَلِكَ تَمَّ مُنْذُ عَهْدٍ قَدِيمٍ، مِثْلَ عَهْدِ حامُورابِي فِي العِراقِ، حِينَ سَنَّ الدُّسْتُورَ وشَرَّعَ القوانِينَ لِيَحْفَظَ حُقُوقَ النّاسِ، وهَذا أَيْضاً ما فَعَلَهُ الرُّومانُ فِي عُصُورِهِمْ". ثُمَّ غَرَّدَ الكَرَوانُ بِصَوْتِهِ العَذْبِ مُضِيفاً: "ثُمَّ جاءَتْ شَرائِعُ اللهِ عَلى يَدِ أَنْبِيائِهِ الكِرامِ، وأَصْبَحَ هُناكَ قوانِينُ واضِحَةٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، مِثْلَ نِظامِ الصَّلاةِ ونَظافَةِ البَدَنِ والمَكانِ". طَلَبَ المَلِكُ مِنَ الحاضِرِينَ أَنْ يُدْلُوا بِآرائِهِمْ، فَطالَ النِّقاشُ وتَعَدَّدَتِ الِاقْتِراحاتُ بَيْنَ الفِيلِ والقِرْدِ والزَّرافَةِ. وفِي النِّهايَةِ، أَعْلَنَ جَلالَتُهُ عَنْ تَشْكِيلِ لَجْنَةٍ لِوَضْعِ دُسْتُورٍ جَدِيدٍ وقوانِينَ تَضْمَنُ حَياةً أَفْضَلَ لِلْجَمِيعِ، وقَرَّرَ أَنْ يَرْأَسَ هَذِهِ اللَّجْنَةَ البُومُ الحَكِيمُ والسُّلحُفاةُ العاقِلَةُ سُلْحُوفَةُ، ولَهُما الحَقُّ فِي اخْتِيارِ مَنْ يَشاءانِ مِنَ الحَيَواناتِ لِلْمُعاوَنَةِ فِي هَذِهِ المَهَمَّةِ العَظِيمَةِ.

اسْتَغْرَقَ الأَمْرُ وقْتاً طَوِيلاً مِنَ العَمَلِ الجادِّ والِاجْتِماعاتِ المُتَواصِلَةِ، وأَخِيراً وَقَّعَ صاحِبُ الجَلالَةِ عَلى الدُّسْتُورِ والقانونِ العامِّ لِلْغابَةِ. كَما أَصْدَرَ مَرْسُوماً خاصّاً بِالنِّظامِ والنَّظافَةِ، وآخَرَ لِحِمايَةِ البِيئَةِ ومَوارِدِها الطبيعيَّةِ: أَرْضاً وهَواءً وماءً، فَمَلأَتِ الفَرْحَةُ قُلُوبَ سُكّانِ الغابَةِ وابْتَهَجُوا بِهَذا التَّغْيِيرِ الكَبِيرِ. لَمْ يَكُنْ تَطْبِيقُ الدُّسْتُورِ سَهْلاً فِي البِدايَةِ بَعْدَ سَنَواتٍ طَوِيلَةٍ مِنْ عَيْشِ الفَوْضَى، لَكِنَّ الأَرْنَبَ أَرْنُوبَ والسُّلحُفاةَ سُلْحُوفَةَ تَعاهَدا عَلى أَنْ يَكونا قُدْوَةً لِلْآخَرِينَ فِي الِالْتِزامِ التّامِّ بِالقانونِ، لَيْسَ خَوْفاً مِنَ العِقابِ، بَلْ حُبّاً فِي أَنْ يَعِيشُوا فِي سَلامٍ وأَمانٍ.

وبَدَأَتِ الحَيَواناتُ تَتَعَلَّمُ السُّلوكَ الحَضارِيَّ، فَصارَتْ تَقِفُ فِي صُفُوفٍ مُنْتَظِمَةٍ وهادِئَةٍ أَمامَ شَبابِيكِ التَّذاكِرِ لِلْمُتَنَزَّهاتِ، وحَتَّى صِغارُ الحَيَواناتِ تَعَلَّمُوا أَهَمِّيَّةَ النِّظامِ عِنْدَ أَلْعابِ التَّزَحْلُقِ والأُرْجُوحاتِ، وأَصْبَحَتْ كَلِمَتا "تَفَضَّلْ هَذا دَوْرُكَ" و"أَنا أَنْتَظِرُ دَوْرِي" هِيَ الجُمَلَ الَّتِي تُسْمَعُ فِي كُلِّ مَكانٍ. وكانَتِ الطُّيُورُ تُرَفْرِفُ بِأَجْنِحَتِها فِي السَّماءِ لِتُراقِبَ كُلَّ شَيْءٍ بِدِقَّةٍ، فَقَدْ جَعَلَ المَرْسُومُ المَلَكِيُّ مِنْها "شُرْطَةَ الغابَةِ" الَّتِي تَحْمِي النِّظامَ. بَعْدَ ذَلِكَ، الْتَفَتَ الجَمِيعُ إِلى حَلِّ مُشْكِلَةِ الزِّحامِ الَّتِي كانَتْ تُزْعِجُهُمْ، وأَلْقَى الجَمَلُ الصَّبُورُ مُحاضَرَةً قَيِّمَةً بَعُنْوانِ "الإِنْسانُ كائِنٌ مُنَظَّمٌ"، وأَشارَ فِیها إِلى كَیْفَ یَقِفُ البَشَرُ فِي صُفُوفٍ بَدِیعَةٍ لِلصَّلاةِ وفِي طابُورِ المَدارِسِ، مِمَّا جَعَلَ الحَیَواناتِ تَشْعُرُ بِالغَیْرَةِ الإِیجابِیَّةِ وتُصَمِّمُ عَلى أَنْ تَكونَ أَكْثَرَ نِظاماً.

تَناقَلَتِ الحَیَواناتُ حَدِیثَ الجَمَلِ بِإِعْجابٍ شَدِیدٍ حَتَّى وصَلَ الأَمْرُ إِلى مَلِكِ الغابَةِ، فَاسْتَدْعاهُ إِلى قَصْرِهِ وشَكَرَهُ عَلى نَصائِحِهِ الغالِیَةِ، وأَهْداهُ وِساماً ذَهَبِيّاً رَفِیعاً تَقْدِیراً لِوَعْیِهِ، وقالَ المَلِكُ وهو یُعَلِّقُ الوِسامَ عَلى صَدْرِ الجَمَلِ: "هَذا هو مَطْلَبِي الغالِي.. دُسْتُورٌ یَحْمِینا.. وقانونٌ یُنَظِّمُنا.. ونِظامٌ یَجْمَعُنا.. إِنَّنا نَرْفُضُ الفَوْضَى والزِّحامَ كُلَّ الرَّفْضِ". وبِفَضْلِ هَذا النِّظامِ العَجِیبِ، تَغَیَّرَتْ سُمْعَةُ الغابَةِ وأَصْبَحَتْ مَزاراً سِیاحِیّاً مَشْهُوراً، وأَخَذَتِ الشَّرِكاتُ تُنَظِّمُ رِحْلاتٍ خُصوصِیَّةً لِلْبَشَرِ لِیُشاهِدُوا بِأَعْیُنِهِمْ كَیْفَ تَقِفُ الذِّئابُ مَعَ الأَغْنامِ فِي صُفُوفٍ مُنْتَظِمَةٍ، ولَمْ یَكُنْ هُناكَ مَنْظَرٌ أَجْمَلَ ولا أَلْطَفَ مِنْ رُؤْیَةِ أَرْنُوبَ وسُلْحُوفَةَ وهُما یَقِفانِ بِكُلِّ أَدَبٍ واحْتِرامٍ فِي طابُورِ المَتاجرِ، لِیُثْبِتا لِلْعالَمِ أَنَّ النِّظامَ هو سِرُّ السَّعادَةِ والنَّجاحِ.

سلحوفة وأرنوب

إرسال تعليق

أحدث أقدم