سُلْحُوفَة وَأَرْنُوب 08 الأَنَانِيَّةُ

 سُلْحُوفَة وَأَرْنُوب 08 الأَنَانِيَّةُ

سُلْحُوفَة وَأَرْنُوب 08 الأَنَانِيَّةُ

خَرَجَتْ سُلْحُوفَةُ -السُّلَحْفاةُ- مِنْ بَيْتِها الصَّغيرِ، وَراحَتْ تَلُفُّ وَتَدُورُ بِبُطْءٍ حَوْلَ الشَّجَرَةِ الكَبيرةِكانَ أَرْنُوبُ يَرْمُقُها بِاهْتِمامٍ، وَعِنْدَما رَأَتْهُ حَيَّتْهُ بِهَزَّةٍ صَغيرَةٍ مِنْ رَأْسِها الرَّزينِكانَ أَرْنُوبُ يَعْرِفُ أَنَّها تُمارِسُ رِياضَتَها الصَّباحِيَّةَ المُعْتادَةَ، فَانْتَظَرَ طَويلاً بِصَبْرٍ إِلى أَنْ أَنْهَتْ تَدْريباتِها، ثُمَّ أَقْبَلَ كُلٌّ مِنْهُما عَلَى الآخَرِ بِمَوَدَّةٍقالَتْ لَهُ سُلْحُوفَةُ وَهِيَ تَضْحَكُ: «أَراكَ تُحَدِّقُ في رَأْسي بِتَرَكُّزٍ شَديدٍ». فَأَجابَها أَرْنُوبُ: «نَعَمْ، أَنَا أَغْبِطُكِ عَلَيْهِ وَلا أَحْسِدُكِ؛ لأَنَّ الحَسَدَ فيهِ رَغْبَةُ زَوالِ النِّعْمَةِ عَنِ الآخَرينَ».

سَأَلَتْهُ سُلْحُوفَةُ: «وَما الَّذي تَراهُ في رَأْسي الصَّغيرِ؟»رَدَّ أَرْنُوبُ قائِلاً: «إِنَّهُ رَغْمَ صِغَرِ حَجْمِهِ، وَعَدَمِ مُناسَبَتِهِ لِجِسْمِكِ الطَّويلِ الَّذي يَزيدُ عَلَى المِتْرِ، إِلا أَنَّني أَرَاهُ يَمْتَلِئُ بِالحِكْمَةِ البالِغَةِ.. فَمَا هُوَ السِّرُّ يا تُرى؟»أَجابَتْهُ سُلْحُوفَةُ بِتَواضُعٍ: «رُبَّما يَعُودُ ذَلِكَ لِبُطْءِ حَرَكَتي وَكَثْرَةِ تَأَمُّلي، أَوْ لِكِبَرِ سِنِّي الَّذي مَنَحَني الخِبْرَةَ»ثُمَّ تابَعَتْ قَوْلَها: «بَودِّي أَنْ أَسْأَلَكَ يا أَرْنُوبُ: ما هيَ في رَأْيِكَ أَسْوَأُ صِفاتِ المَخْلُوقاتِ؟»سَكَتَتْ سُلْحُوفَةُ لِبَعْضِ الوَقْتِ تُفَكِّرُ عَميقاً، ثُمَّ قالَتْ بِحَزْمٍ: «إِنَّها الأَنَانِيَّةُ».

راحَ أَرْنُوبُ يُرَدِّدُ الكَلِمَةَ بِصَوْتٍ عالٍ كَأَنَّهُ يَكْتَشِفُها لأَوَّلِ مَرَّةٍ، وَيُديرُها في رَأْسِهِ مُتَعَجِّباً: «الأَنا.. نِيَّة!»وَفَجْأَةً، انْطَلَقَ يَجْري هُنا وَهُناكَ في الغابَةِ، وَصارَ يَسْمَعُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ حَوْلِهِ يَنْطِقُ بِهذهِ الأَنانِيَّةِسَمِعَ العِشْبَ عَلَى الأَرْضِ يَقُولُ: «أَنا.. أَنا لا تَقْدِرُ العَواصِفُ المُرْعِبَةُ عَلَى اقْتِلاعي»وَسَمِعَ الشَّجَرَةَ تَقُولُ بِكِبْرِياءٍ: «أَنا.. سَأَمُوتُ واقِفَةً وَشامِخَةً»بَيْنَما قالَ الطَّائِرُ لِلشَّجَرَةِ مُتَفَاخِراً: «أَنا أَطيرُ في السَّماءِ الرَّحيبَةِ، أَمَّا أَنْتِ فَلا تَتَحَرَّكينَ مِنْ مَكانِكِ قَطُّ»وَرَأَى قِرْداً مُعَلَّقاً عَلَى فَرْعِ شَجَرَةٍ مِنْ ذَيْلِهِ يَصيحُ: «أَنا أَبْرَعُ المَخْلُوقاتِ جَميعاً في أداءِ الحَرَكاتِ البَهْلَوانِيَّةِ».

لَمْ يَتَوَقَّفِ الأَمْرُ عِنْدَ هذا الحَدِّ، بَلْ سَمِعَ حُوتاً في الماءِ يَهْتِفُ: «أَنا أَضْخَمُ مَخْلُوقٍ يَعِيشُ في أَعْماقِ البِحارِ»وَرَدَّ عَلَيْهِ الفيلُ مِنَ البَرِّ: «وَأَنا أَضْخَمُ مَخْلُوقٍ يَسِيرُ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ»غَفَلَ أَرْنُوبُ عَنْ كُلِّ جَمالِ الطَّبيعيَةِ، وَلَمْ يَعُدْ يَسْمَعُ إِلا تِلْكَ الأَصْواتَ العالِيَةَ المُدَوِّيَةَ الَّتي تَنْبَعِثُ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ، وَكُلُّ مَخْلُوقٍ يَهْتِفُ: «أَنا.. أَنا..»وَكانَتْ تِلْكَ الـ (أَنا) تَتْبَعُها صِفاتٌ مِثْلُ: الأَعْظَمُ، الأَجْمَلُ، الأَقْوىوَفَجْأَةً، أَفاقَ أَرْنُوبُ مِنْ شُرُودِهِ لِيَجِدَ أَنَّ سُلْحُوفَةَ قَدِ انْصَرَفَتْ وَتَرَكَتْهُ مَعَ أَفْكارِهِ.

في تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَمَحَ أَرْنُوبُ صَيَّاداً يَقْتَرِبُ بِحَذَرٍ، وَكانَ الصَّيَّادُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَيَهْمِسُ لِنَفْسِهِ: «أَنا سَأَصْطادُ هذا الأَرْنَبَ اللَّذيذَ»وَجَدَ أَرْنُوبُ نَفْسَهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ في سِرِّهِ بِتَحَدٍّ: «أَنا أَسْرَعُ مِنْكَ، وَأَنا أَذْكى، وَسَوْفَ أَهْرُبُ مِنْكَ حَتْماً»وَبِالفِعْلِ، انْطَلَقَ كالسَّهْمِ نَحْوَ جُحْرِهِ، وَعِنْدَما هَدَأَ رَوْعُهُ وَشَعَرَ بِالأَمانِ، بَدَأَ يَقُولُ: «أَنا أَمْهَرُ.. أَنا أَشْطَرُ.. أَنا..»ثُمَّ تَوَقَّفَ فَجْأَةً وَسَأَلَ نَفْسَهُ بِخَجَلٍ: «كَمْ مَرَّةً رَدَّدْتُ أَنَا أَيْضاً كَلِمَةَ (أَنا)؟».

مَرَّ يَوْمانِ كامِلانِ دُونَ أَنْ يَلْتَقِيَ أَرْنُوبُ بِسُلْحُوفَةَوَفي يَوْمٍ ما، جاءَ الدُّبُّ الصَّديقُ لِزِيارَتِهِما، وَعِنْدَما خَرَجا لِلِقائِهِ، قَدَّمَ لَهُما طَبَقاً شَهِيّاً مِنَ العَسَلِ الصَّافي، وَقالَ مُتَفَاخِراً: «أَنا أَتَيْتُكُما بِهَدِيَّةٍ رائِعَةٍ.. أَنا كَريمٌ جِدّاً مَعَ أَصْدِقائي»وَفي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، مَرَّتْ نَحْلَةٌ صَغيرَةٌ في طَريقِها، وَسَمِعَتْ كَلِماتِ الدُّبِّ، فَقالَتْ بِثِقَةٍ: «نَحْنُ النَّحْلُ مَنْ صَنَعْناهُ بِتَعَبِنا»غَطَّتْ كَلِماتُ النَّحْلَةِ القَوِيَّةُ عَلَى كَلامِ الدُّبِّ، فَشَعَرَ بِالخَجَلِ وَنَكَّسَ رَأْسَهُ إِلى الأَرْضِ.

تَبادَلَتْ سُلْحُوفَةُ وَأَرْنُوبُ النَّظَراتِ في صَمْتٍ عَميقٍ، فَقَدْ كانَ هذا لِقاءَهُما الأَوَّلَ مُنْذُ حَديثِهِما عَنِ الأَنانِيَّةِكَسَرَتْ سُلْحُوفَةُ الصَّمْتَ وَسَأَلَتْ: «يا أَرْنُوبُ، هَلْ سَمِعْتَ قِصَّةَ عُنْقُودِ العِنَبِ؟»أَجابَها: «لا، لَمْ أَسْمَعْها بَعْدُ»فَحَكَتْ لَهُ أَنَّهُ كانَ هُناكَ رَبُّ أُسْرَةٍ فَقيرٌ، مَرِضَتْ زَوْجَتُهُ، وَكانَ يَمْلِكُ دِيناراً واحِداً فَقَطْ، فَاشْتَرى بِهِ عُنْقُودَ عِنَبٍ وَزَهْرَةً جَميلَةً لِيُقَدِّمَهُما هَدِيَّةً لَها لِيُخَفِّفَ عَنْها أَلَمَها.

لَكِنَّ الزَّوْجَةَ، بَدَلاً مِنْ أَنْ تَأْكُلَهُ، أَهْدَتْهُ لِابْنَتِها الَّتي سَهِرَتْ عَلَى رِعايَتِها أَثْناءَ مَرَضِهاوَالابْنَةُ الطَّيِّبَةُ قالَتْ في نَفْسِها: «أَخي الصَّغيرُ يَحْتاجُهُ أَكْثَرَ مِنّي لِيَكْبُرَ وَيَقْوى»، فَقَدَّمَتْهُ لَهُأَمَّا الطِّفْلُ الصَّغيرُ، فَقَدْ حَمَلَ عُنْقُودَ العِنَبِ وَالزَّهْرَةَ وَقَدَّمَهُما لِأَبيهِ قائِلاً: «أَنْتَ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ، لأَنَّكَ تَتْعَبُ مِنْ أَجْلِ الأُسْرَةِ كُلِّها»عِنْدَما سَمِعَ أَرْنُوبُ هذهِ القِصَّةَ، هَمَلَتِ الدُّمُوعُ مِنْ عَيْنَيْهِ تَأَثُّراًوَمِنْ شِدَّةِ إِعْجابِهِمْ بِهذا المَوْقِفِ، التَقَطُوا صُورَةً لِعُنْقُودِ العِنَبِ، وَوَضَعُوها في إِطارٍ مُذَهَّبٍ أَنِيقٍ لِيَحْكُوا قِصَّتَهُ لِكُلِّ مَنْ يَزُورُهُمْ.

هَتَفَ أَرْنُوبُ بِحَماسٍ: «يا لَهُ مِنْ عَطاءٍ عَظيمٍ! وَأَنْتِ يا سُلْحُوفَةُ، ماذا تَحْكينَ لي في مُقابِلِ ذَلِكَ؟»حَكى أَرْنُوبُ مَوْقِفاً آخَرَ، حَيْثُ تَسَلَّلَ يَوْماً إِلى قاعَةِ السُّلْطانِ، وَرَآهُمْ يَقْرَؤُونَ مَرْسُوماً لِيُوَقِّعَهُ، بَدَأَ بِجُمْلَةِ: «نَحْنُ السُّلْطانُ فُلان..»ضَحِكَ أَرْنُوبُ وَقالَ: «عِنْدَما سَمِعْتُ كَلِمَةَ (نَحْنُ) الَّتي يُقْصَدُ بِها التَّعاظُمُ، طالَتْ أُذُنايَ وَرَأَيْتُ أُذُنَيِ السُّلْطانِ تَطُولانِ أَيْضاً، حَتَّى أَصْبَحَتا تُشْبِهانِ أُذُنَيْ صَديقِنا الحِمارِ الَّذي يَنْهَقُ!».

في النِّهايَةِ، نَظَرَتْ سُلْحُوفَةُ إِلى أَرْنُوبَ وَقالَتْ بِوَقارٍ: «أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ قَوْلِ: أَنَا.. الأَنانِيَّةُ تَقْتُلُ الجَمالَ في قُلُوبِنايَجِبُ أَنْ نَكُونَ جَميعاً سَواءً، نُحِبُّ لِبَعْضِنا ما نُحِبُّ لِأَنْفُسِنا، وَيَجِبُ أَنْ يُؤْثِرَ كُلُّ واحِدٍ مِنَّا الآخَرَ عَلَى نَفْسِهِ، فَهذا هُوَ السِّرُّ الحَقيقيُّ لِلسَّعادَةِ».

سلحوفة وأرنوب

إرسال تعليق

أحدث أقدم