ناقة صالح
أصدقائي الصغار .. اسمحوا لي أن أعرفكم بنفسي فأنا الناقة أنثى الجمل، يلقبني الناس بسفينة الصحراء لأنني أستطيع السير فيها لمسافات طويلة متحملة الجوع والعطش. فأنا أختزن الدهون في سنامي الذي يشبه الهرم فوق ظهري، وأحتفظ بالماء في أنابيب حول معدتي وأقدامي الطويلة لا تغوص في الرمال بسبب الخف الذي في نهايتها. وباختصار فإن شكلي وتركيبي غريب يدعو إلى التأمل، قال تعالى: ((أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبْل كَيْفَ خُلِقَتْ)) (الغاشية: 17). أما حكايتي مع نبي الله صالح عليه السلام فهي أكثر غرابة .. هيا بنا نحكي القصة.
كان نبي الله صالح عليه السلام يدعو قوم ثمود إلى عبادة الله عز وجل وترك عبادة الأصنام والأوثان. وذكرهم بنعم الله التي أعطاها لهم فقد أسكنهم الأرض بعد هلاك قوم عاد، ورزقهم الزروع والثمار وأنعم عليهم بالقصور الفاخرة والمباني الشاهقة التي بنوها في الجبال. ولكن قوم ثمود كذبوا نبيهم واستكبروا عن عبادة الله عز وجل.
لم ييأس صالح عليه السلام من دعوة قومه ولكن لم يؤمن معه إلا القليل. وفي أحد الأيام اجتمع كبار القوم يتشاورون في أمر صالح عليه السلام ودعوته، فدخل صالح يدعوهم إلى الله. فقالوا له: لن نؤمن لك حتى تأتي بمعجزة، وقالوا له: إن كنت صادقاً فيما تقول ادعُ الله أن يخرج لنا من هذا الجبل ناقة عظيمة حمراء عشراء تأكل وتشرب. فقال لهم صالح عليه السلام: إن جئتكم بما تريدون هل تؤمنون بالله رب العالمين، قالوا: نعم.
دعا صالح عليه السلام ربه عز وجل أن يخرج ناقة من الجبل كما أراد قومه حتى يؤمنوا. فاستجاب الله له وخرجت الناقة من صخرة في الجبل، وقال لهم صالح عليه السلام: هذه ناقة الله، معجزة لكم إياكم أن تقتربوا منها أو تؤذوها. ودعوها تأكل في أرض الله كما تشاء، وسوف تأتي إلى البئر فتشرب منه يوماً، وتشربون أنتم في اليوم التالي، وفي اليوم الذي تشرب فيه الناقة سوف تعطيكم اللبن في آخر النهار.
دهش قوم ثمود عندما رأوا هذه المعجزة العظيمة، ومع ذلك لم يؤمن منهم إلا القليل. وعاشت الناقة بينهم مدة من الزمن يتركونها تشرب وتعطيهم اللبن ولا تأخذ الناقة منهم شيئاً. ولكن الكفار كانوا في أشد الغيظ وهم يشاهدون هذه المعجزة كل يوم فاتفقوا على قتل الناقة، وقتل صالح عليه السلام.
اختبأ أحد الكفار المجرمين في طريق الناقة ولما رآها رماها بسهم فوقعت الناقة على الأرض فاجتمع زملاؤه عليها وقتلوها بسيوفهم. وخرج وليدها من بطنها وأسرع إلى الجبل، فانفتحت صخرة من الجبل فدخل فيها. وعلم صالح عليه السلام بما حدث فحزن أشد الحزن وأخبر قومه أن الله سيهلكهم بعد ثلاثة أيام ويعذبهم بسبب قتلهم الناقة. فسخروا منه وقالوا: أرنا هذا العذاب إن كنت من المرسلين.
واتفق الأشرار فيما بينهم على قتل نبي الله صالح عليه السلام أيضاً هو وأهله، فذهبوا في ظلام الليل إلى بيت صالح عليه السلام لقتله، وكان عددهم تسعة. وبينما هم في الطريق وقبل أن يصلوا إلى البيت أرسل الله عليهم حجارة من السماء فأهلكتهم وعجل الله عذابهم في الدنيا قبل قومهم بسبب شدة كفرهم وظلمهم.
وظل قوم ثمود ثلاثة أيام يلهون ويلعبون وفي اليوم الرابع أرسل الله عليهم صيحة شديدة كالصاعقة فخلعت قلوبهم وتركتهم جثثاً هامدة. ونجى الله صالحاً والذين آمنوا معه، قال تعالى: ((فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمَئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ القوي العزيز)) (هود: 66).
